سلايدرمنزلكِ
أخر الأخبار

هل زرت مبنى في يوم من الأيام وشعرت أنك تفاعلت معه بكل حواسك؟

فن العمارة والتصميم الداخلي الحسي وعلاقته بحواسنا

” العمارة هي فن المصالحة بيننا وبين العالم، وهذه المصالحة لا تتم إلا من خلال الحواس الخمسة “

– جوهاني بلازما

 

كمهندسين معماريين ومصممين، نتخذ القرارات التصميمية بناءً على العديد من الضغوط والمحددات والظروف التي يجب أخذها بعين الإعتبار، وتشمل هذه الضغوط :

  • الوقت المحدد لإتمام التصميم
  • التنفيذ
  • عدم تجاوز الميزانية
  • عدم تجاوز توقعات العملاء .

بالتزامن مع هذه الاعتبارات هناك بعض العوامل التي تقود العالم المعماري ككل مثل اتجاهات وصيحات ومدارس التصميم والتقنيات الحديثة والأحداث الإجتماعية والسياسية والاقتصادية.

عند الإنتهاء من عمل معماري جديد في ذلك الجزء من العالم، فإن هذا المنشأ المعماري هو أكثر من مجرد لقطة ثلاثية الأبعاد، إنه شيء مختلف لكل شخص يشاهده ويستخدمه ويتفاعل معه من الرواد الذين يعيشون أو يعملون في المبنى كل يوم أو حتى المارة. تعتمد كيفية تفاعلهم جميعا مع العمارة على حواسهم. على الرغم من أن الرؤية هي العلاقة الأكثر وضوحًا لدى الشخص ، إلا أنها ليست الطريقة الوحيدة. أحد العوامل الرئيسية لنجاح المبنى يأتي من كيفية تحفيز جميع الحواس وحث المار أو المستخدم على طرح الأسئلة واجتياز تجربة ما خلال هذا الفراغ المعماري.

“ضوء النهار واختيار المواد والألوان جزء لا يتجزأ من تجربة هذا الفضاء و جذب الحواس جميعا في وقت واحد “

بدايةً من البديهي والواضح أن حاسة البصر، تسمح للناس بالتنقل عبر المبنى، بحيث يمكنهم رؤية الإختلافات في المواد، والتغيرات في الضوء واللون، وعلاقة ذلك المبنى بالبيئة المحيطة به. وتركز المهنة المعمارية ككل على هذا المعنى. بدءًا من اللقطات المعمارية عالية الدقة والواقعية، إلى تقنيات تحديد الممرات والتوجيه داخل وخارج المبنى والخيارات الواسعة من المواد ،فإن الكثير من القرارات التصميمية تتخذ استناداً إلى الناحية الجمالية (البصرية)، فالبصر هو الذي يحفز الحواس الأخرى على التفاعل مع المكان.

“عندما يصبح اللمس جزءًا من التجربة، يصبح الفراغ المعماري متصل بذاكرة الشخص “

_ جوهاني بالمازا

المهندس المعماري الفنلندي المعروف بكتابه النظري المعماري “عيون الجلد”، يعتقد أن “كل الحواس هي امتداد لحاسة اللمس تكشف الرؤية ما تكشفه اللمسة تماما. و بينما البصر هو شعور مهم في العمارة، فلا يمكن للمرء أن يقلل من تقدير تأثير اللمس على تجربة مستخدم الفراغ. من خلال ذلك ، يمكن للناس رفع مستوى تجربتهم الفريدة داخل ذلك الفضاء المعماري، باستخدام القدرة على الشعور بالحرارة الباردة للخرسانة أو السطح الناعم للخشب. يمكن أن يشعروا بدفء أشعة الشمس من خلال النوافذ وتغير المواد تحت أقدامهم في لحظة إعجاب أو راحة وهدوء أو حماس مثلا، هكذا يتذكر الناس تجربتهم في مبنى ما ويمكن لرواد المبنى أن يشعروا بالشمس الدافئة، ويلمسون المعدن البارد، ويشعرون بالخشب الناعم أسفل القدم.

هناك طرق مختلفة لإشراك الرواد بتجربة اللمس. اختيار المواد مهم جدا بحيث أن تجربة المواد (المادية) تختلف عن مجرد اختيار المواد. بينما يكون للخرسانة والخشب تأثيرات مختلفة في الفضاء، فإن كيفية تفاعل الناس مع المادتين هي التي تحدد الأهمية المادية وتعزز أهميتها لأنها تصور مشاعر الخفة أو الثقل. في مجتمعنا الذي يركز على التكنولوجيا، غالبًا تستهلكنا الشاشات اللوحية وعلينا تشجيع الزوار على التفاعل مع المباني بطريقة لا يمكنهم القيام بها من خلال الشاشة اللوحية. لذلك، من خلال دمج المادية والمفاهيم مثل  Biophilic Design هو مفهوم يستخدم في صناعة البناء لزيادة اتصال الرواد بالبيئة الطبيعية من خلال استخدام الطبيعة المباشرة، والطبيعة غير المباشرة، وظروف المكان، إن هذه الفكرة لها فوائد صحية وبيئية واقتصادية لشاغلي المباني والبيئات الحضرية.

يشجع جدار المصعد المتموج هنا الزائرين على اللمس والاندماج مع المساحة المعمارية.

الحاستان التاليتان، السمع والشم، لها ارتباط قديم في مشاعر الحنين nostalgia. هذه الحواس لديها القدرة على نقل الرواد والزوار إلى لحظات محددة في حياتهم، حتى إلى أجزاء أخرى من العالم. يمكن أن يكون للصوت تأثير عميق على تجربة الشخص داخل وحول المبنى.

لقد مررنا جميعًا في أماكن بها التصميم الصوتي رديء، من حيث الصدى أو تقارب الفراغات المكتظة بمسببات الضوضاء ،غالبًا ذلك ما يمكن أن يكون أول شيء يتذكره الناس عند وصف المكان للآخرين. في حين أن هناك لوائح ومعايير للتحكم في الضوضاء، إلا أن العمارة الجيدة تتجاوز الحد الأدنى. من المهم معرفة كيفية التحكم في تأثير الصوت وتعزيزه. في حين يتم النظر في الصوتيات بعناية في مشاريع مثل المسارح والقاعات، يجب أن تحظى باهتمام مماثل في جميع أنواع المشاريع الأخرى. على سبيل المثال، يمكننا النظر في كيفية تأثير صوت الماء في الاسترخاء، وكيف يمكن للضوضاء البيضاء الهادفة أن تسمح بتركيز أفضل من خلال تخفيف الصوت. فيجب عليك ضبط المزاج العام الصوتي كمصمم.

صوت الماء في هذا المشروع يلهم بالإحساس والهدوء.

حاسة الشم يمكن أن تكون أيضا أداة قوية. لسوء الحظ ، في الكثير من المنشآت المعمارية ، تأتي الرائحة المرتبطة بها من تسرب المواد والمواد اللاصقة والدهانات وأكثر من ذلك. يمكن لهذه المركبات العضوية المتطايرة أن تؤثر سلبًا على صحة الرواد بطرق عديدة، ولكنها قد تترك لهم أيضًا تجربة سيئة للمشروع. ومع ذلك، يمكن أن تكون هناك روائح إيجابية مرتبطة بمبنى يأتي من المطاعم أو الأسواق أو المقاهي. أيضًا، من خلال دمج العناصر الحية الطبيعية، مثل النباتات، يمكن إزالة السموم من الهواء وتوليد روائح لطيفة، والتي تسمح للرواد بالتواصل الإيجابي مع الفراغ المعماري. الذوق هو أكثر الأشياء غموضًا عندما يتعلق الأمر بالهندسة المعمارية إلا إذا كنت تقوم بتصميم مطعم أو مطبخ أو سوق للمواد الغذائية.

بما أن حاسة الذوق تعتمد بدرجة كبيرة على حاسة الشم، فيمكن استنتاج أن رائحة المبنى يمكن أن تؤثر على “مذاقها “.  فنحن نختبر العمارة كمزيج من جميع الحواس. فقط عندما نفكر في هذه العلاقة، يمكننا تحويل مساحة ما إلى مكان يريد الناس أن يرتادونه ويتذكرونه بعمق.

من خلال الإستفادة من التصميم متعدد الحواس Biophilic Design، يمكننا فتح مساحات مبتكرة تتناسب مع احتياجات المستخدم ورغباته. من خلال إشراك الحواس بشكل كلي، يمكننا حقًا إثراء الحياة من خلال التصميم الحسي المبتكر. سنوضح وظائف بعض من العناصر الطبيعية في العمارة في الحد من التوتر وتحسين الأداء المعرفي والعاطفي وتحسين المزاج وجسم الإنسان :

  1. الضوء: يسمح الوقت من اليوم والموسم بتحديد حركةالضوء الطبيعي، يمكن أن يسبب الضوء أيضًا أنماطًا وأشكالاً طبيعية وظلال في التصميم، يمكن تطبيق هذا من خلال الشبابيك العلوية clerestories، والمواد العاكسة، والمناور ، والواجهات الزجاجية، والمساحات المسقوفة بالزجاج. وهذا يوفر الرفاهية والإهتمام من شاغليها. ويجدر الإشارة إلى تأثيره على نظام الساعة البيولوجية بشكل إيجابي .
  2. الهواء: يتم الشعور بالتهوية ودرجة الحرارة والرطوبة من خلال الهواء. يمكن تطبيق هذه الشروط من خلال استخدام النوافذ وغيرها من الاستراتيجيات، ولكن الأهم من ذلك أن الاختلاف في هذه العناصر يمكن أن يعزز راحة الركاب وإنتاجيتهم.
  3. الماء: المياه تتعلق بعدة حواس ويمكن استخدامها في المباني لتعزيز الحركة والأصوات واللمس بالإضافة لخصائصها البصرية. في التصميم يمكن استغلاله من خلال المسطحات المائية والنوافير والأراضي الرطبة وحوض السمك. لدى الأشخاص صلة قوية بالمياه وعند استخدامها، يمكن أن يقلل من ضعط الدم ويزيد من الصحة والأداء والرضا العام. ويؤثر الماء على تحسين التركيز واستعادة الذاكرة وتعزيز الإدراك والاستجابة النفسية وانخفاض معدل ضربات القلب .
  4. النباتات: إن جلب الغطاء النباتي إلى المساحات الخارجية والداخلية للمبنى يوفر علاقة مباشرة بالطبيعة. يجب أن يكون هذا وفيرًا (أي الاستفادة من الجدران الخضراء أو العديد من النباتات المحفوظة بوعاء) وبعض النباتات يجب أن تزهر؛ أثبتت النباتات أنها تزيد من الصحة البدنية والأداء والإنتاجية وتقلل من الإجهاد. ·
  5. الحيوانات: على الرغم من صعوبة تحقيقها، يمكن أن يتم ذلك من خلال أحواض السمك والحدائق ومغذيات الحيوانات والسقوف الخضراء. هذا التفاعل مع الحيوانات يعزز الإهتمام والتحفيز العقلي والشعور بالسرور.
  6. الطقس: يمكن مراقبة الطقس مباشرة من خلال النوافذ والمساحات الإنتقالية، ولكن يمكن أيضًا محاكاة ذلك من خلال التلاعب بالهواء داخل الفضاء المعماري.
  7. المناظر الطبيعية: يتم ذلك من خلال إنشاء أنظمة بيئية ذاتية الاستدامة في البيئة المبنية. فبالنظر للتطور والتاريخ البشريين، يميل الناس إلى الاستمتاع بالمناظر الطبيعية الشبيهة بالسافانا لأنها تصور الإتساع ووفرة الحياة الطبيعية. يمكن إجراء الإتصال مع هذه الأنواع من البيئات من خلال آفاق أو تفاعلات مباشرة مثل الحدائق. من المعروف أن هذه المناظر الطبيعية تزيد من رضا الرواد.
  8. النار: يصعب دمج هذا العنصر الطبيعي في المساحات الداخلية بسبب كودات السلامة العامة، ولكن عندما يتم تنفيذه بشكل صحيح وآمن في المبنى، فإنه يوفر اللون والدفء والحركة، فهي جذابة وممتعة للرواد.

مؤثرات الطبيعة غير المباشرة :

  •  صور الطبيعة: وقد ثبت أن هذا مرضيا عاطفيا وفكريا؛ يمكن تنفيذ صور الطبيعة من خلال اللوحات والصور والمنحوتات والجداريات ومقاطع الفيديو من خلال الشاشات.
  • المواد الطبيعية: يمكن دمج هذه المواد في المباني من خلال استخدام الخشب والحجر. يمكن أن يستخدم التصميم الداخلي الأقمشة الطبيعية والمفروشات والجلود.
  • الألوان الطبيعية: الألوان الطبيعية أو “الألوان الترابية”، هي تلك التي توجد عادةً في الطبيعة وغالبًا ما تكون درجات اللون البني والأخضر والأزرق. عند استخدام الألوان في المباني، ينبغي أن تمثل هذه التناغمات اللونية الطبيعية. فيجب استخدام الألوان الأكثر سطوعًا بشكل ضئيل.
  • يمكن تقليد تدفق الهواء الطبيعي من خلال التغييرات الطفيفة في درجة الحرارة والرطوبة وسرعة الهواء.
  • ثراء المعلومات: يمكن تحقيق ذلك من خلال توفير بيئات معقدة، لكنها ليست صاخبة تستدعي فضول شاغليها وفكرهم.
  • التغيير ومحاكاة الزمن: الناس مفتونون بالطبيعة وكيف يتغيرون ويتكيفون مع تقدمهم في العمر بمرور الوقت، مثلنا كثيرًا. في المباني، يمكن تحقيق ذلك باستخدام مواد عضوية قابلة للتجوية وتغيير اللون – وهذا يسمح لنا بمراقبة التغييرات الطفيفة في بيئتنا المبنية بمرور الوقت.
  • الهندسة الطبيعية: يمكن أن يشمل تصميم الواجهات أو المكونات الهيكلية استخدام أنماط متكررة ومتنوعة تظهر في الطبيعة. يمكن أن يكون لهذه الأشكال الهندسية أيضًا مقاييس منظمة هرميًا وتدفق متعرج بدلاً من أن تكون مستقيمة بزوايا قاسية. على سبيل المثال، الأشكال الهندسية الشائعة الإستخدام هي نمط قرص العسل والتموجات الموجودة في الماء.

إن استخدام كل حواسنا في التصميم لن يجعلنا نمد إبداعنا بمعايير جديدة فحسب، بل يمنح المستخدمين النهائيين والرواد مشاعر وذكريات وتجارب. ومن الجدير بالذكر أنه يتم وضع المساحات التي تدعم جميع الحواس الخمس لتكون أماكن أكثر نجاحًا بالكامل للترفيه والعمل وتجربة الفراغ بسعادة وراحة.

الوسوم
اظهر المزيد

اترك تعليقا

%d مدونون معجبون بهذه: